ان معظم النشاط الانساني يتعلق بحصول الانسان على دخل وبكيفية انفاقه ، وهذا النشاط الانساني المتعلق بالحصول على الدخل وانفاقه – بالانتاج والاستهلاك والفعاليات المتعلقة بالتبادل والتوزيع هو ما يستهدف الاقتصاديون دراسته في علم الاقتصاد . فعلى الرغم من ان علم الاقتصاد يعالج على وجه الدقة كيفية حصول الافراد على عيشهم ، فأن اهمية هذا العلم تتعدى حدود النشاط الاقتصادي الصرف . وذلك ان الكيفية التي يعمل بها الافراد هي ذات اثر فعال عمليا بالنسبة الى كل نواحي المجتمع الواحد في كل مكان في العالم . فمركز الاسرة والتمايز الموجود بين فئات الدخل المختلفة ، والصراع الطبقي والاستخدام الشامل ، والحروب والاستعمار والصراعات الدولية بين الاقطار المختلفة ، تعكس كلها مشاكل لها طبيعة اقتصاديا ولو جزئيا . ولذلك فان دراسة الاقتصادية تتضمن امورا شتى ، اجتماعية وسياسية من الماضي والحاضر ، وقوى وحوادث ذات اثر عام على كل واحد منا في أي وقت من الاوقات ز ولا يمكن لأي فرد يبقى بمعزل عن الحياة ومجرياتها ، ولا ان يكون بعيدا عن مختبر العالم الذي يتكون فيه التاريخ الاقتصادي للنوع الانساني عموما .

 

 

تعريف علم الاقتصاد

ان مصطلح ( الاقتصاد ) Economics مأخوذ بالاصل من اليونانية ويرجع تاريخيا الى ارسطو ، وهو مشتق من كلمتين يونانيتي الاصل هما (ايكوس) التي تعني (المنزل ) Household ، و (نوموس Nomos) وتعني (الحكم او القانون ) . وقد كانت تشير اصلا الى الطريقة التي تستطيع بها (مديرة المنزل ) او ربته استغلال دخلها المحدود بافضل شكل ممكن . وبالتالي فإن كلمة (الاقتصاد ) كانت تعني اصلا ( علم مبادىء تدبير المنزل ) .

وقد استعمل الكاتب الفرنسي مونكرايتان Montchretien ، قبل غيره مصطلح ( الاقتصاد السياسي ) الذي نشره عام 1615 ، مشيرا بذلك الى انه كان يعني ( مباديء الادارة الاقتصادية للدولة ) نظرا لاهتمامه في الاساس بمالية الدولة . ثم شاع استعمال مصطلح (الاقتصاد السياسي ) حتى شمل الاقتصاد الاجتماعي كذلك . وفي عام 1767 نشر جيمس ستيوارت مل هذا المصطلح في كتابه An Enquiry The Principles of Political Economy وقد استعار ماركس هذا المصطلح من كتاب سابقين فاستعمله في كتاب (رأس المال) Captil الذي نشره عام 1867 وهو يحمل عنوانا ثانويا تحت عبارة (نقد الاقتصاد السياسي ) وبقي هذا الاستعمال شائعا في الادبيات الماكسية منذئذ .

وبعد ان نشر الفريد مارشال . الاقتصادي الانكليزي المعروف كتابه المشهور (مباديء الاقتصاد ) عام 1890 اخذ مصطلح الاقتصاد ينتشر على نطاق واسع بين الكتاب خاصة في الاقطار الانكلوسكسونية المتكلمة الانكليزية . وبقي مصطلح (الاقتصاد السياسي ) مقتصرا على الادبيات الماركسية التي تعارض (الاقتصاد الاكاديمي ) المعاصر معارضة واعية .

وقد عرف مارشال نفسه (الاقتصاد السياسي ) بأنه دراسة الانسان في نشاطه الحياتي الاعتيادي ، فهو يتفحص ذلك الجزء من النشاط الفردي والاجتماعي الوثيق الصلة في الغالب ، بالحصول على المتطلبات المادية للرفاه باستعمالها وهكذا يربط مارشال بين النشاط الانساني ومتطلبات الرفاهية المادية وذلك في اطار الثروة المتراكمة والمتمثلة بتلك المتطلبات المادية . وقد كانت التعاريف القديمة للاقتصاد توضع في اطار (الثروة ) التي عنوا بها ، ليس فقط الذهب والفضة ، ولكن جميع الانواع الاخرى من السلع المادية ، ولذلك سمي آدم سمث كتابه الشهير (دراسة في طبيعة واسباب ثروة الامم ) كناية عن اهتمامه بالثروة المادية للشعوب وسبل تطويرها وتراكمها . وكذلك فعل جون ستيوارت مل حين نظر الى الاقتصاد ( كعلم تطبيقي – عملي – لانتاج وتوزيع الثروة) . وهكذا في حين اهتم آدم سمث بالنواحي الواسعة للثروة ن أي الوسائل التي يمكن بها زيادة الحجم الكلي للانتاج – وهو ما تهتم به السياسة الاقتصادية اليوم – فان تعريف (مل) يذهب مرحلة ابعد ليشمل مسائل تتعلق بالانتاج والتوزيع ، متضمنا بذلك العاملين المهمين المؤثرين على مستوى المعيشة .

اما ويكسل ، الاقتصادي السويدي المعروف فقد كتب في نفس الوقت الذي كتب به مارشال مشيرا الى انه ( يعني بالظاهرة او النشاط الاقتصاديين كل جهد منتظم لاشباع حاجة مادية ، او بدقة ، البحث عن الوسائل المتاحة لتحقيق اكبر انتاج ممكن ، او – (تحقيق ) نتاج معين بأقل وسائل ممكنة ) ومن الواضح ان هذا التعريف يحدد علم (الاقتصاد ) بهدف الاشباع المادي ووسائل تحقيقه بأقل كلفة ممكنة .

اما الاقتصادي البريطاني ويكستيد فقد اشار الى ان الاقتصاد يتضمن ( دراسة المبادىء العامة لدارة الموارد التي تعود على السواء الى الفرد او الاسرة او المشروع او الدولة ، بما في ذلك التعرف على السبل التي ينشأ فيها الهدر في جميع هذه الادارات . وهو تعريف للاقتصاد في اطار ادارة الموارد المتاحة .

وقد ذهب الاقتصادي البريطاني المعروف A.C.Plgou مذهبا مشابها لمارشال من قبله وذلك بتعريف الاقتصاد في اطار ( الرفاه المادي ) مؤكد بذلك على النواحي الانسانية والمادية معا من الموضوع . فقد اعتبر الاقتصاد وسيلة لدراسة الكيفية التي يمكن بها زيادة الانتاج بهدف تحسين مستوى المعيشة ز اما تعريف مارشال الذي سبق ذكره فانه يصل بين التعاريف المهتمة بالثروة وتلك التي تؤكد على الرفاه ومستوى المعيشة . فهو يعلن اوى ان الاقتصاد هو (دراسة الثروة من ناحية واهم من دراسة الانسان من الناحية الاخرى . وكما فعل بيكو فيما بعد ، فان مارشال اعتبر تراكم الثروة كوسيلة فقط لرفع مستوى معيشة الافراد .

هذه التعاريف كلها تتكلم عن الثروة والاشباع وادارة الموارد والرفاه الانساني . ولكن الاقتصادي الانكليزي المعروف ليونيل روبنز Lionel Robins اعطى تعريفا للاقتصاد شائع الاستعمال حاليا واكثر التعاريف قبولا . وميزته الكبرى هي انه اوسع من أي تعريف سابق ، خاصة لأنه لا يحد الاقتصاد بمسائل الرفاه المادي فقط ، وانما يضع في نفس الوقت حدودا واضحة ودقيقة لعلم الاقتصاد ، فهو يعرف علم الاقتصاد بانه ( العلم الذي يدرس السلوك الانساني كعلاقة بين الغايات والوسائل النادرة التي لها استعمالات بديلة ) وهكذا يحدد روبنز موضوع علم الاقتصاد في اطار (نظرية الندرة Scarecity والاختيار ) والندرة هي امر نسبي أي ان السلع نادرة بالنسبة الى للطلب عليها ز وبما ان الحاجات الانسانية متعددة ووسائل اشباعها محدودة ، فان وسيلة ما يجب ان تتوافر لكي يمكن توزيع السلع النادرة بين طالبيها العديدين . وبذلك يصبح (علم الاقتصاد) عبارة عن دراسة لنوع معين من الاقتصاد في الموارد وتوزيعها بين استعمالات بديلة متعددة ومتنافسة .

وفائدة هذا التعريف هي انه يغطي جميع انواع النشاط الاقتصادي وينطبق على المجتمع ككل . وبهذا المعنى الواسع ، يحلل علم الاقتصاد الكيفية التي يستغل بها المجتمع موارده المحدودة من القوة العاملة والمواد الاولية ورأس المال ليشبع حاجات اعضائه المادية المتعددة وكذلك الكيفية التي يتم بها توزيع نتائج هذا النشاط بين اعضائه هؤلاء . كما انه يعمل على تكوين قواعد ووضع معايير تؤدي الى تحقيق افضل توزيع ممكن للموارد .

واذا كانت جميع الاشياء نادرة ومحدودة مقارنة بالرغبة بها ، واذا كان الكثير من الحاجات لا يمكن اشباعها تماما ، والوسائل المتاحة والمتوفرة لا تشبع الا بعضها ، لذا فان من الضروري الاختيار لاشباع بعض الحاجات على حساب بعضها الآخر . فالوقت نادر ، وكذلك الدخل ، ، ويجب الاختيار في كيفية استعمالهما . وبذلك تصبح مهمة الاقتصادي دراسة كيفية اشباع الحاجات الانسانية . والحاجات التي يمكن اشباعها بسلع لا يمكن صنعها ، او بسلع لا حاجة لصنعها بسبب توفرها بحرية ، تسمى حاجات غير غير اقتصادية . والحاجات الاقتصادية هي ما يمكن اشباعه بسلع ليست حرة ولكن الانسان قادر على توفيرها . وتدعى هذه السلع سلعا اقتصادية ، ولن يسكون ممكنا في ظل التعريف الاخير لعلم الاقتصاد ، انتاج وتوفير جميع السلع الاقتصادية التي يرغب بها الناس لأننا لن نجد من الموارد المتاحة ما يكفي لذلك . وهذه هي المسألة المركزية في الاقتصاد وهي مسألة الندرة .

وقد انتقد العديد من الاقتصاديين تعريف روبنز للاقتصاد موضحين :

1- ان التمييز بين الوسائل والغايات هو تمييز مصطنع لأن روبنز لا يوضح تماما طبيعة الغايات ولا الغرض منها . كما ان بعض الغايات قد تعمل كوسائل لغايات اخرى ، ولذلك قد يصعب التمييز بين الغايات والوسائل .

2- ان تعريف روبنز خال تماما من أي محتوى اخلاقي او قيمي ، فهو محايد تماما اخلاقيا ن غير ان الاقتصاد يهتم فعلا بالسلوك الانساني ولذلك فان من غير الممكن للاقتصاديين ان يعزلوا الاقتصاد عن الاخلاق والقيم .

3- ان صياغة روبنز لعملية الاقتصاد في اطار الوسائل النادرة مقارنة بالغايات لحل جميع المشاكل الاقتصادية هي ببساطة مسألة تقويم Valuation Problem مما يجد من نطاق علم الاقتصاد اذ ان ذلك يهمل جانب الرفاه منه .

4- ولهذا السبب ، لحصر الغرض من علم الاقتصاد في عملية التقويم هذه ، فأن روبنز قد جعل من هذا العلم علما موضوعيا صرفا وهو ما لا يراه اقتصاديون آخرون يعتبرون علم الاقتصاد علما سلوكيا او معياريا كذلك .

5- ان التعريف محدود لأنه لا يشير الى النواقص التنظيمية التي تقود الى موارد عاطلة . كما انه اوسع جدا لأن مشكلة تخصيص الموارد النادرة بين غايات متعددة لا تقتصر على علم الاقتصاد وانما تتعداه الى نشاطات اخرى . كما في حالة الجيش مثلا حيث يضطر قائده في مواجهة اهداف متعددة الى الاختيار بين الاهداف وان يقصد في استعمال موارده المحدودة من الافراد والعدد والسلاح .

6- ان تعريف روبنز يرتبط بشكل اساسي بالتحليل على المستوى الفردي والجزئي وبسلوك الافراد والاجزاء في حين ان المشاكل الاقتصادية ترتبط اساسا بسلوك اجتماعي جماعي وليس فرديا . ولذلك فانه يفشل في التوكيد على الجانب الكلي من علم الاقتصاد .

7- لا يوفر تعريف روبنز حلا لمشاكل البلدان النامية تلك المشاكل التي تتصل اساسا بتطوير الموارد غير المستعملة او غير المستغلة استغلالا كاملا وكفوءا . هذا في حين يأخذ تعريف روبنز هذه الموارد على انها ثابتة ومعطاة ومن يحلل كيف تخصيصها بين استعمالاتها المختلفة .

كما يذهب البعض الى ان تعريف روبنز لعلم الاقتصاد ضمن حدود الندرة والاختيار لا يعطي الا مؤشرا محدودا حول نطاق موضوع العلم المذكور ( فهو في الحقيقة تعريف الاقتصاد للاقتصاديين ) كما انه يعاني من عيب خطير لأنه لا يشتمل على مشكلة الكساد او عدم كفاية الطلب الكلي اللذين يعاني منهما الاقتصاد الراسمالي دائما وعلى نطاق واسع . ولذلك فان المشكلة الرئيسة هي ليست الكيفية التي يمكن بها استعمالها بشكل كامل .

كما ان قصور التعريف المذكور ينبع من الناحية الاخرى من تصوره مجتمعا ثابت الموارد والمهارات والقدرة الانتاجية . ومنه يتضح ان الدور الرئيس للاقتصاديين يبدو وكأنه دراسة افضل استعمال ممكن للقدرة الانتاجية الممكنة والمستخدمة استخداما ثابتا وكاملا . ومع ذلك فان هناك امرين هما من اهم اضطلاعات الاقتصاد الحديث ولكن التعريف المذكور لم يشتمل على أي منهما ، فمن ناحية ، فان القدرة الانتاجية للاقتصادات الحديثة ، بعيدا على ان تبقى ثابتة ، قد نمت نموا هائلا

 
إقراء على السياسية